دليل إرشادي:
عندما يفضّل الأطفال التحدّث مع الذكاء الاصطناعي: ماذا يجب على الأهل معرفته؟

على مرّ السنوات، كان الأطفال والشبيبة في صدارة تبنّي التقنيات الجديدة، من بداية عصر الإنترنت، مرورًا بدخول الهواتف الذكية إلى حياتنا اليومية، وانتهاءً بانتشار شبكات التواصل الاجتماعي. إلى جانب التبنّي السريع لهذه التقنيات، يمكن أن نلاحظ كيف تغيّر دورها واتّسعَ نطاقه في حياة الشباب اليومية. في هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة آخذة بالازدياد، وتنعكس في استخدام الشبيبة لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI)، ليس فقط لأغراض البحث عن المعلومات أو تحرير المستندات، بل أيضًا كمصدر للحديث الشخصي، الاستشارة الفردية وحتى للدعم العاطفي والاجتماعي.

تشير الدراسات الحديثة إلى ازدياد في استخدام الشبيبة لأدوات الذكاء الاصطناعي القائمة على المحادثة، بالأخص ما يُعرف بـ "رفقاء الذكاء الاصطناعي" (AI Companions) الذين يحاكون التفاعل البشري. هذه المنصات تتيح للمستخدمين إجراء محادثات مع شخصيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والتي تلعب أحيانًا دور الصديق، المُحاوِر، مصدر الدعم العاطفي بل وأحيانًا تلعب أدوارًا علاجية. مع تطور هذه التكنولوجيا بسرعة هائلة، وازدياد سهولة الوصول إليها، يزداد أيضًا الاهتمام العام والبحثي بفهم تأثيراتها على أبناء الشبيبة (Youth Endowment Fund; Common Sense Media; اتّحاد الإنترنت الإسرائيلي بالتعاون مع جمعية عيلم).

على ضوء هذه التوجّهات، تزداد الحاجة إلى فهم تأثيرات الاستخدام العاطفي لبرامج الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. يتناول هذا الدليل الإرشادي تداعيات وتأثيرات الاستخدام العاطفي لهذه الأدوات، ويتطرّق أيضًا إلى علامات التحذير التي تشير إلى الاستخدام الإشكالي، وسبل الحوار مع الشبيبة حول الاستخدام العاطفي الآمن للدردشات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي:

ما هي تأثيرات الاستخدام العاطفي للدردشات المعتمِدة على الذكاء الاصطناعي؟

لجوء الشبيبة إلى برامج الدردشة لتلبية الاحتياجات العاطفية والاجتماعية، قد يأتي ذلك على حساب تلقي الاستشارة والدعم العاطفي من العائلة، الأصدقاء أو المختصين.

عندما تتم المعالجة العاطفية من خلال التفاعل مع نظام محوسب بدلًا من أشخاص حقيقيين، قد يضرّ ذلك بتطور المهارات الاجتماعية المهمة مثل المشاركة، الثقة وطلب المساعدة، وهي مهارات تتشكل من خلال العلاقات الإنسانية، كما قد يقلّل من فرص التدرّب على إدارة العلاقات الاجتماعية المعقدة.

برامج الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي غير مصممة أساسًا لتقديم الدعم النفسي أو العاطفي، وهي تفتقر إلى الشفافية والأسس المهنية. تصميم المحادثة قد يؤدي إلى التشويش بين التعاطف الإنساني والاستجابة الألغوريثمية، مما قد يؤدي إلى خلق التعلّق والاستخدام غير المتوازن.

علامات التحذير: متى يصبح استخدام الدردشة خطيرًا؟

لجوء الشبيبة إلى برامج الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لغرض تلقي الاستشارة أو الدعم أو "إفراغ" مشاعرهم، هو أمر طبيعي، وقد تكون له جوانب إيجابية أيضًا. مع ذلك، هناك حالات قد يثير فيها هذا الاستخدام مخاوف من حدوث ضرر أو من تطور أنماط استخدام غير صحية. فيما يلي بعض علامات التحذير التي ينبغي الانتباه إليها:

  1. عندما تصبح الدردشة جزءًا كبيرًا جدًا من حياة الشاب/ة، أو حتى العلاقة الاجتماعية الأبرز لديه/ا
  2. قضاء الشبيبة ساعات طويلة جدًا في التحدث مع الدردشة على حساب الأنشطة الأخرى
  3. عندما يجد الشاب أو الشابة صعوبة في اتخاذ قرارات دون مساعدة الدردشة، ويشعرون بحاجة لاستشارتها في كل موضوع
  4. تعامُل الشبيبة مع الدردشة كشخصية حقيقية لديها مشاعر ووعي، دون إظهار النقد أو الحذر أثناء الحديث معها
  5. توقُّف الشاب أو الشابة عن الحديث مع أفراد العائلة أو الأصدقاء المقربين حول مواضيع شخصية كانوا يشاركونهم بها سابقًا
  6. استخدام الدردشة يؤدي إلى انخفاض في الأداء اليومي وإلى تغيّر حاد في السلوك (مثل الحضور في المدرسة، الانقطاع الاجتماعي وقلة النوم)

يمكن الاطلاع على مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع في وثيقة الـ APA (عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس – American Psychological Association)

🧑‍🏫 ما الذي يجب معرفته حول الاستخدامات العاطفية والشخصية للدردشات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي؟

عندما يلجأ الشبيبة إلى برامج الدردشة لتلبية الاحتياجات العاطفية، وليس فقط لغرض البحث عن معلومات، تطرأ حاجة إلى تطوير مهارات جديدة مرتبطة بإدارة العلاقة مع التكنولوجيا. في هذه الحالة، لا يكفي تعليمهم كيفية التحقق من مصداقية وموثوقية الإجابات أو مصادرها، بل من المهم أيضًا تزويدهم بالأدوات التي تساعدهم على استخدام هذه التقنيات بصورة واعية ومسؤولة في السياقات الشخصية والعاطفية. بكلمات أخرى، مهارات الذكاء الاصطناعي يجب أن تشمل أيضًا مهارات وثقافة عاطفية، تشمل ما يلي:

  • رغم أن الدردشة تستجيب بطريقة متعاطفة ومتفهّمة، إلا أنها لا تفهم ولا تُنصت فعلًا كما يفعل شخص بالغ أو مختص. برنامج الدردشة غير مسؤول عن رفاهيتنا، ولا يلتزم تجاهنا كما قد يلتزم شخص آخر، ولا يمكن أن يشكّل بديلًا حقيقيًا لمختص مهني أو لعلاج نفسي أو تربوي، مثل مستشارة المدرسة على سبيل المثال.
  • الدردشة متاحة دائمًا وخالية من الأحكام لأنها صُممت وبُنيت بهذه الطريقة، وليس لأنها تهتم بنا فعلًا.
  • من المهم أن نعرف متى نلجأ إلى النظام مرة تلو الأخرى لأن الأمر "أسهل"، ومتى يكون ذلك على حساب أمور أخرى مهمة.

كيف يمكننا إجراء حوار مع الشبيبة حول الاستخدام العاطفي الآمن للدردشات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي؟

بدء الحديث بطريقة مفهومة وبسيطة: يمكن البدء بسؤال شخصي، أو الحديث عن مقال قرأناه، أو مقطع فيديو شاهدناه، أو قصة سمعناها عن الذكاء الاصطناعي. في كثير من الأحيان، من الأسهل ألّا نبدأ المحادثة بحالات تتعلق بنا شخصيًا، بل الحديث عن حالة أخرى يمكن النظر إليها من زاوية حيادية.

  • 🔍 كونوا فضوليين: أبدوا اهتمامًا حقيقيًا بعالمهم، تعرّفوا على ما يثير اهتمامهم، وكيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وما هي الجوانب الإيجابية التي يرونها فيه. يمكن أن نطلب منهم أن يشرحوا لنا كيفية استخدام هذه الأدوات أو أن يعلّمونا بعض خصائصها، ويمكن استخدام هذه التقنيات معهم بشكل مشترك.
  • 🤝 التعاطف وتجنّب الأحكام: ندير المحادثة بتفهُّم وتعاطُف، بعيدًا عن اللوم أو التخويف. الهدف هو إيصال رسالة واضحة بأننا نقف إلى جانبهم في الأوقات الجيدة والصعبة على حد سواء. عندما نتحدّث عن المخاطر فقط، يكون الشبيبة أقل إصغاءً. نريد أن يتبنّى الشبيبة سلوكًا مسؤولًا نابعًا من الفهم والاختيار القيمي والأخلاقي، وليس من الخوف.
  • ❓حوار يثير التساؤلات ويشجع على التفكير النقدي: يمكن طرح أسئلة وأفكار مثل: كيف يعمل الذكاء الاصطناعي ومن أين تأتي المعلومات التي يقدمها لنا؟ ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي والإنسان؟ مع من تفضّل التحدث عندما تشعر بالضيق، ولماذا؟ أي مواضيع من المفضل مشاركتها مع إنسان بدلًا من روبوت الدردشة؟ هل الذكاء الاصطناعي يفهمنا فعلًا ويعرفنا معرفة حقيقية؟ هل لديه مشاعر أو مسؤولية تجاهنا؟
  • ❤️ التمكين، الثقة والدعم: قد يتردد الشبيبة أحيانًا في الحديث عمّا يمرّون به لأنهم يخافون من غضبنا أو من عواقب الأمر. لذلك، من المهم جدًا أن نؤكد لهم أننا لا نغضب منهم، وأننا نرغب دائمًا في معرفة ما يمرّون به، وأننا موجودون لمساعدتهم دائمًا. نريد أن نكون لهم عنوانًا موثوقًا يمكنهم اللجوء إليه، حتى عندما يواجهون صعوبات وتحديات.