Bring back home all the hostages

موصولون لكن غير متساوين

أ. الفجوة الرقمية – التعريفات والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية

في العقود الأخيرة، تحديدًا منذ مطلع القرن الـ 21، دخلت تكنولوجيا المعلومات والاتصال إلى حياتنا على نطاق واسع جدًا. مواطنو القرن الـ 21 في إسرائيل والعالم، يستخدمون التكنولوجيا بشكل متواصل ودائم، وفي شتى المجالات في حياتهم. نتيجةً لذلك، ظهرت تحديات مختلفة لدى الأشخاص الذين لديهم منالية جزئية أو غير متوفرة لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، والأشخاص ذوي القدرة المحدودة على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال. هذه الظاهرة سُمِّيت "الفجوة الرقمية" (Digital Divide) أو "عدم المساواة الرقمية" (Digital inequality) (Robinson et al., 2015). أحد تعريفات هذه المصطلحات هو

عدم المساواة بين الأفراد أو بين المجموعات على أساس إتاحة التكنولوجيا، القدرة على استخدامها والآراء والمواقف تجاهها (van Dijk, 2020).

في الأدبيات المهنية، وردت ثلاثة مستويات للفجوة الرقمية:

  1. المستوى الأول (First level digital divide): عدم المساواة في إتاحة تكنولوجيا المعلومات والاتصال، والملكية عليها (Scheerder et al., 2017).[1] يتناول هذا المستوى موضوع وجود البنى التحتية الملائمة في مكان السكن (الكهرباء والهاتف بالأساس)، ممّا يتيح الإمكانية للاتصال بشبكة الإنترنت، وكذلك الملكية على الوسائل والأجهزة الطرفية التي تتيح المجال للاتصال بالشبكة واستخدامها (حاسوب، تابلت، هاتف ذكي، كونسولة ألعاب أو أي جهاز آخر متصل بالإنترنت).
  2. المستوى الثاني (Second level digital divide): فجوة في القدرات أو المهارات. هذه الفجوة تتطرق إلى عدم المساواة في القدرة على استغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وهي تنطوي على قدرة الفرد على استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال لصالحه (van Deursen & van Dijk, 2019). المهارات الرقمية يعني كل المهارات المكتسبة والمطلوبة في بيئة رقمية، بما في ذلك استخدام قنوات الميديا الجديدة، مصادر المعلومات المعقدة، النصوص متعددة التمثيلات (كلمات، صوت، فيديو وما شابه) وبرامج معالجة المعطيات (Reddy et al., 2020).
  3. المستوى الثالث (Third level digital divide): الفجوة في النتائج أو الفوائد. يتمحور هذا المستوى حول السؤال: ما هي نتائج أو فوائد منالية الحاسوب والإنترنت على الصعيد الشخصي والاجتماعي (van Dijk, 2020). الفجوة في هذا المستوى تؤثر على قدرة الفرد على اكتساب ثروة اجتماعية وثقافية، التقدم في المجتمع (القيادة)، اكتساب التربية والتعليم عالي الجودة، تلقّي خدمات صحية جيدة وتحصيل حقوقهم المدنية. لهذه التأثيرات علاقة مباشرة بالمكانة الاجتماعية-الاقتصادية (Ragnedda, 2017; Tsatsou, 2020).

تُعتبَر الفجوة الرقمية اليوم أحد أبرز العوائق للتطور الشخصي والاجتماعي في المجتمع المعاصر (Hilbert, 2011)، وتبيّن أنها تعيد خلق الفجوات الاجتماعية-الاقتصادية القائمة (Chinn & Fairlie, 2007). قد تؤدي إلى فجوات في المعرفة بين مواطني الدولة، وتُحدِث تغييرات في الثقافة، الاتصال والناتج القومي (Resta & Laferriere, 2015) وتفاقِم الفجوات بين المكانات الثانوية، المجتمعات والأفراد (Ertmer et al., 2012; Polat, 2012)، حيث أن المتضررين الأساسيين قد يكونوا من المجتمعات المهمّشة والمستضعفة (Schejter et al., 2017). وذلك لأنّ مجموعات الأقلية التي تفتقر إلى الثروة البشرية في الحيز المادي تتميز بمكانة وحالة مشابهة في الحيز الرقمي أيضًا (Robinson et al., 2015).

بالتالي، يتبيّن أن الفجوة الرقمية لا تؤثر على إمكانية وصول الفرد إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال أو للمعلومات فقط، بل تؤثر إلى حد كبير أيضًا على قدرته على الانخراط في المجتمع كمواطن متساوٍ والمساهمة من أجل المجتمع والمصلحة المشتركة عمومًا (Schejter et al., 2023). بسبب التأثيرات الكبيرة لهذه الفجوة على الكثير من المجالات في حياة الفرد، فإنها تُعتبَر اليوم أحد أشكال الإقصاء الأكثر إساءةً (Castells, 2002)، وهناك من يسمّونها "الفجوة المتعددة" أو "الحرمان المتعدد (Multiple deprivation) (לב־און ואח', 2019).

بسبب حجم الظاهرة، ترى الكثير من الدول أن تقليص الفجوة الرقمية مصلحة أخلاقية واجتماعية (تحسين الرفاهية الشخصية، تقليص الفجوات الاجتماعية وتعزيز المساواة في الفرص لدى الشرائح والفئات السكانية المختلفة)، مصلحة اقتصادية (وسيلة لتحقيق أفضلية تنافسية في سوق العمل) ومصلحة سياسية (كجزء من استراتيجية الحفاظ على الحصانة القومية) (Rafaeli et al., 2018).

طوّرَ فان دايك (van Dijk, 2005) نموذجًا يهدف إلى فهم مصادر الفجوة الرقمية (انظروا الرسم 1). يبيّن النموذج أن عدم المساواة في المجتمع يؤدي إلى توزيع الموارد بشكل غير متساوٍ؛ هذا التوزيع يعيق إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال بشكل متساوٍ؛ وعدم القدرة على الوصول إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصال بشكل متساوٍ، يزيد من عدم المساواة. النتيجة هي إقصاء أشخاص ومجموعات معينة من السيرورات الاجتماعية.

رسم 1: نموذج فان دايك (2005)

رسم 1: نموذج فان دايك (2005)

تأثيرات الفجوة الرقمية على الفئات التي تعاني منها، تنعكس في عدة مجالات أساسية:

سوق العمل: الكثير من الوظائف في سوق العمل المعاصر، تتطلّب مهارات رقمية بمستوى عالٍ، وأصحاب هذه الوظائف يكافَؤون غالبًا بأجر عالٍ نسبيًا. بالتالي، فإن الإمكانية المتاحة أمام الأشخاص الذين يعانون من فجوة رقمية، بالأخص مستوى المهارات الرقمية المنخفض، للتنافس على الوظائف ذات الأجر العالي، محدودة أساسًا (Hilbert, 2020). أظهرَ بحث أجراه معهد بروكينغز (2017Muro et al., ) في الولايات المتحدة، أن أصحاب الوظائف التي تتطلب مهارات رقمية متوسطة حتى عالية، كسبوا أجرًا أعلى بـ %38-%17 ممّن عملوا في الوظائف التي تتطلب مهارات رقمية منخفضة. برزَ هذا التأثير بشكل خاص خلال فترة جائحة الكورونا، حيث بدأ الكثير من العمال بالعمل من البيت، والكثير من أماكن العمل واصلت عملها بعد هذه الفترة بشكل هببريدي. الأشخاص الذين لم تتوفر لديهم إمكانية وصول ملائمة لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، وأصحاب المهارات الرقمية المنخفضة، واجهوا صعوبة في مواصلة العمل، واضطروا في كثير من الحالات لتعريض أنفسهم وعائلاتهم للخطر. منظمة
الـ OECD أشارت أيضًا إلى أن العمل من البيت قد يتحوّل إلى جزء ثابت ولا يتجزأ من سوق العمل (בניטה, 2020).

جهاز التربية والتعليم: منذ مطلع القرن الـ 21، ازداد استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال والتكنولوجيا التربوية (Ed-Tech) في جهاز التربية والتعليم. جزء كبير من المهام والمضامين متوفرة على شبكة الإنترنت، ويجب على الطلاب والمعلمين إبراز مستوى معين من المهارات الرقمية. منظمة الـ OECD، ومن بعدها وزارة التربية والتعليم في إسرائيل، عرّفت المهارات الرقمية على أنها مهارات حيوية وضرورية في إطار المهارات المطلوبة للمواطنة المجدية في القرن الـ 21 (OECD, 2019). الطلاب الذين يعانون من فجوة رقمية، يتضررون مرتين: أولًا، البعض منهم لا يملكون الموارد المطلوبة للوصول إلى هذه التكنولوجيات في البيت أو المدرسة؛ ثانيًا، البعض منهم يفتقرون إلى المهارات والتوجيه البيداغوجي والمهني من أجل استخدام التكنولوجيات المتوفرة بنجاعة (Robinson et al., 2015). إضافةً لذلك، الطلاب الذين ينتمون للفئة التي تعاني من فجوة رقمية، ليس بمقدورهم دائمًا الحصول على مساعدة من أحد أفراد العائلة أو صديق لديه قدرات رقمية (Gonzales et al., 2020).

في أوج جائحة الكورونا (2022-2020)، أصبحت إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا واستخدامها شرطًا ضروريًا وأساسيًا للتعلّم، وذلك بسبب إغلاق المدارس والانتقال إلى التعليم عن بُعد. المعلمون، المحاضرون والطلاب في جهاز التربية والتعليم العام وفي جهاز التعليم العالي، الذين ينتمون إلى الفئة المتأثرة من الفجوة الرقمية، لم تكن أمامهم إمكانية للاستمرار في التدريس والتعلم، وبالتالي ساءت حالتهم مقارنةً بزملائهم الذين لا يعانون من هذه الفجوة (אבו־קשק ומנדלס, 2020; דהאן ואח', 2020).

منالية الخدمات الحكومية والصحية: في السنوات الأخيرة، قامت الوزارات والجهات التي تقدم الخدمات المدنية بنقل جزء كبير من نشاطها إلى شبكة الإنترنت. الكثير من المعلومات التي تهم المواطنين، تُنشَر بشكل إلكتروني، والأشخاص المتأثرون من الفجوة الرقمية سيواجهون صعوبة في الوصول إليها. بهذا الشكل، سيصعُب على الفرد المستضعف تحصيل حقوقه المدنية (Mossberger et al., 2018). كما وأن المعلومات في جهاز الصحة تتحول تدريجيًا إلى رقمية: حجز الأدوار للطبيب، الاطلاع على نتائج الفحوصات أو الوصول إلى معلومات طبية عامة بشكل إلكتروني، أصبحت أكثر شيوعًا اليوم، والشخص الذي يعاني من فجوة رقمية سيواجه صعوبة في الحصول على هذه المعلومات التي تهمّه (Boone et al., 2014).

بدون منالية كافية لخدمات المعلومات الحكومية والعامة، قد تواجه الفئات المختلفة التي تعاني من فجوة رقمية صعوبة في الحصول على معلومات حول الحقوق الاجتماعية المختلفة التي تستحقها، وفي تحصيل هذه الحقوق. الكثير من المواطنين العرب في إسرائيل ينتمون إلى الشرائح العشرية المنخفضة في المؤشر الاجتماعي-الاقتصادي الخاص بدائرة الإحصاء المركزية، وبالتالي يحق لهم الحصول على حقوق مختلفة من سلطات الرفاه، الصحة والتربية والتعليم. الفجوة الرقمية بمستوياتها المختلفة، إلى جانب انعدام إمكانية الوصول إلى المواقع المختلفة التي تشمل معلومات مفصلة حول هذه الحقوق (بالأخص الإتاحة اللغوية والثقافية للمواقع الحكومية)، قد تمسّ بقدرة المواطنين العرب في الحصول على معلومات حيوية وضرورية، وبقدرتهم على تحصيل حقوقهم.

التأثيرات الاجتماعية: نظرًا لمركزيّة الوسائط الاجتماعية وتكنولوجيا المعلومات والاتصال في العصر الحالي، قد يواجه الأفراد أو المجموعات المتأثرة من الفجوة الرقمية صعوبة في الاتصال والتواصل (Tsatsou, 2011). هذا البند يؤثر بالأساس على أبناء جيل الشباب، الذين يستخدمون الوسائط الاجتماعية بشكل دائم (Scheerder et al., 2017).

إبداء المواقف والمشاركة الفعالة في المجتمع: في السنوات الأخيرة، أصبحت الوسائط الرقمية إحدى الوسائل المركزية لإجراء حوار ديموقراطي واجتماعي (Ivie, 2024). الفئات السكانية المتأثرة من الفجوة الرقمية، بالأخص الفئات المستضعفة مثل السكان العرب في إسرائيل، تواجه صعوبة أحيانًا في استخدام الوسائط الرقمية لتعريف المجتمع العام على احتياجاتها ومطالبها، بالأخص الجهات الحكومية وذات الصلاحية. الموقف والرأي في هذا السياق، معرَّف على أنه القدرة على تمثيل أنفسنا، وحقّنا في التعبير عن آرائنا (Tacchi, 2012). على المستوى الشخصي، المقصد هو الفرصة المتاحة للفرد للتحدّث، إسماع رأيه والتأثير على القرارات التي تؤثر على حياته (Couldry, 2010). الفئات والأفراد المتأثرون من الفجوة الرقمية، يواجهون صعوبة أحيانًا في التعبير بشكل واضح عن احتياجاتهم عبر الوسائط الرقمية، وبالتالي تقلّ قدرتهم على إبداء آرائهم والحصول على حلول ملائمة ولائقة.

القدرة على تقييم المعلومات عبر الشبكة بشكل نقدي واستخدامها: مستوى المهارات الرقمية المنخفض قد يزيد من الانكشاف على معلومات مضللة وخاطئة. هذا الأمر صحيح بالأخص في العصر الذي تنتشر فيه الأخبار الكاذبة (Fake news) والمعلومات المضللة عبر الشبكة. القدرة على تقييم المعلومات بشكل نقدي، ضرورية من أجل المواطنة الواعية (Lewandowsky et al., 2017). تقييم المعلومات بشكل خاطئ أو جزئي قد يمسّ بقدرة الفرد على اتخاذ القرارات السليمة، وبالتالي قد يؤثر على مجالات كثيرة في حياته، مثلًا، في كل ما يتعلق بالعلاجات الطبية (Diviani et al., 2015).

قلّة الوعي حيال مخاطر الشبكة: الأشخاص المتأثرون من الفجوة الرقمية، معرّضون لخطورة أكبر للوقوع ضحية لسرقة الهوية وعمليات الاحتيال المختلفة عبر الشبكة (Sultan, 2019)، وذلك نظرًا لوعيهم القليل نسبيًا حيال احتمالات الأذى والمخاطر الكامنة في مشاركة المعلومات الشخصية عبر الشبكة. قد لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم من الأذى، أو ما يمكنهم القيام به في حال تضرروا (Alvarez, 2019; Stolfo et al., 2007).

[1] خلال فترة الكورونا، أضيفت ميزة أخرى للفجوة الرقمية. جزء كبير من العائلات في المجتمع لا تُعتبَر رسميًا كمن تعاني من أي مستوى من الفجوة الرقمية، لأنها تملك حاسوبًا واتصالًا متاحًا بالإنترنت، وتملك المهارات المطلوبة لاستخدامها. لكن بسبب الإغلاقات الشاملة، اضطر كل أفراد البيت أحيانًا لاستخدام التكنولوجيا في نفس الوقت لغرض التعليم أو العمل، ولم تتوفر لدى البعض منهم إمكانية الوصول للحاسوب. العائلات التي لا تملك القدرة الاقتصادية على شراء أجهزة طرفية بكمية كافية للاستخدام الثابت لكل أفراد البيت المحتاجين لذلك في نفس الوقت، ستعاني من فجوة رقمية، لكنها لن يتمّ تعريفها بالضرورة بهذا الشكل ضمن المعطيات الرسمية في هذا الموضوع.